سيد قطب
71
في ظلال القرآن
50 - فإذا فرغ من التعقيب جاء بمشهد النجاة بعد مشاهد العذاب . . « وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ » . . وقد وردت تفصيلات هذه النجاة في السور المكية التي نزلت من قبل . أما هنا فهو مجرد التذكير لقوم يعرفون القصة . سواء من القرآن المكي ، أو من كتبهم وأقاصيصهم المحفوظة . إنما يذكرهم بها في صورة مشهد ، ليستعيدوا تصورها ، ويتأثروا بهذا التصور ، وكأنهم هم الذين كانوا ينظرون إلى فرق البحر ، ونجاة بني إسرائيل بقيادة موسى - عليه السلام - على مشهد منهم ومرأى ! وخاصية الاستحياء هذه من أبرز خصائص التعبير القرآني العجيب « 1 » . 51 - ثم يمضي السياق قدما مع رحلة بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر ناجين : « وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ . ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ : يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ ، فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ ، فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ ، فَتابَ عَلَيْكُمْ ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » . . وقصة اتخاذ بني إسرائيل للعجل ، وعبادته في غيبة موسى - عليه السلام - عندما ذهب إلى ميعاد ربه على الجبل ، مفصلة في سورة طه السابقة النزول في مكة . وهنا فقط يذكرهم بها ، وهي معروفة لديهم . يذكرهم بانحدار هم إلى عبادة العجل بمجرد غيبة نبيهم ، الذي أنقذهم باسم اللّه ، من آل فرعون يسومونهم سوء العذاب . ويصف حقيقة موقفهم في هذه العبادة : « وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ » . . ومن أظلم ممن يترك عبادة اللّه ووصية نبيه ليعبد عجلا جسدا ، وقد أنقذه اللّه ممن كانوا يقدسون العجول ! 52 - ومع هذا فقد عفا اللّه عنهم ، 53 - وآتى نبيهم الكتاب - وهو التوراة - فيه فرقان بين الحق والباطل ، عسى أن يهتدوا إلى الحق البين بعد الضلال . ولم يكن بد من التطهير القاسي ؛ فهذه الطبيعة المنهارة الخاوية لا تقوّمها إلا كفارة صارمة ، وتأديب عنيف . عنيف في طريقته وفي حقيقته : 54 - « وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ : يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ ، فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ » . . اقتلوا أنفسكم . ليقتل الطائع منكم العاصي . ليطهره ويطهر نفسه . . هكذا وردت الروايات عن تلك الكفارة العنيفة . . وإنه لتكليف مرهق شاق ، أن يقتل الأخ أخاه ، فكأنما يقتل نفسه برضاه . ولكنه كذلك كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة ، التي لا تتماسك عن شر ، ولا تتناهى عن نكر . ولو تناهوا عن المنكر في غيبة نبيهم ما عبدوا العجل . وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام ؛ وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم ! وهنا تدركهم رحمة اللّه بعد التطهير :
--> ( 1 ) يراجع بتوسع فصل : « طريقة القرآن » في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » « دار الشروق » .